ابن قيم الجوزية
166
الروح
تبطل هذا القول ، وقد شاهد النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الأرواح ليلة الإسراء عن يمين آدم وشماله ، وأخبر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجرة الجنة ، وأرواح الشهداء في حواصل طير خضر ، وأخبر تعالى عن أرواح آل فرعون أنها تعرض على النار غدوا وعشيا . ولما أورد ذلك على ابن الباقلاني لج في الجواب وقال : يخرج على هذا أحد وجهين : إما بأن يوضع عرض من الحياة في أول جزء من أجزاء الجسم ، وإما أن يخلق لتلك الحياة والنعيم والعذاب جسد آخر . وهذا قول في غاية الفساد من وجوه كثيرة ، وأي قول أفسد من قول من يجعل روح الإنسان عرضا من الأعراض تتبدل كل ساعة ألوفا من المرات ، فإذا فارقه هذا العرض لم يكن بعد المفارقة روح تنعم ولا تعذب ، ولا تصعد ولا تنزل ، ولا تمسك ولا ترسل ، فهذا قول مخالف للعقل ونصوص الكتاب والسنّة والفطرة ، وهو قول من لم يعرف نفسه ، وسيأتي ذكر الوجوه الدالّة على بطلان هذا القول في موضعه من هذا الجواب إن شاء اللّه . وهو قول لم يقل به أحد من سلف الأمة ولا من الصحابة والتابعين ولا أئمة الإسلام . فصل [ التناسخ ] وأما قول من قال إن مستقرها بعد الموت أبدان أخر غير هذه الأبدان وهذا القول فيه حق وباطل . فأما الحق : فما أخبر الصادق المصدوق صلى اللّه عليه وآله وسلم عن الشهداء أنها في حواصل طير خضر تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش هي كالأوكار للطائر ، وقد صرح بذلك في قوله : « جعل اللّه أرواحهم في أجواف طير خضر » . وأما قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة » يحتمل أن يكون هذا الطائر مركبا للروح كالبدن لها ، ويكون ذلك لبعض المؤمنين والشهداء ، ويحتمل أن تكون الروح في صورة طائر ، وهذا اختيار أبي محمد بن حزم وأبي عمر بن عبد البر ، وقد تقدم كلام أبي عمر والكلام عليه ، وأما ابن حزم فإنه قال معنى قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « نسمة المؤمن طائر